شكيب أرسلان

191

الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية

قال ابن حيان : قد اشفينا بشرح هذه الحالة الفادحة ، على مصائب جليلة ، مؤذنة بوشك القلعة ، طالما حذر أسلافنا لحاقها ، بما احتملوه عمن قبلهم من إثارة ، ولا شك عند ذوى الألباب أن ذلك مما دهانا من داء التقاطع ، وقد أمرنا بالتواصل والألفة ، فأصبحنا من استشعار ذلك ، والتمادي عليه على شفا جرف ، يؤدى إلى الهلكة لا محالة . انتهى ببعض اختصار قال المقرّى : وذكر بعده كلاما في ذم أهل ذلك الزمان ، من أهل الأندلس ، وأنهم يعللون أنفسهم بالباطل ، وأن من أدلّ الدلائل على جهلهم اغترارهم بزمانهم ، وبعدهم عن طاعة خالقهم ، ورفضهم وصية نبيهم ، وغفلتهم عن سد ثغورهم ، حتى أطل عدوهم الساعي لإطفاء نورهم ، يجوس خلال ديارهم ، ويستقرى بسائط بقاعهم ، ويقطع كل يوم طرفا ، ويبيد أمة ، ومن لدينا وحوالينا من أهل كلمتنا ، صموت عن ذكرهم ، لهاة عن بثّهم ، ما إن يسمع عندنا بمسجد من مساجدنا ، أو محفل من محافلنا ، مذكّر لهم أوداع ، فضلا عن نافر إليهم ، أو ماش لهم ، حتى كأنهم ليسوا منا ، أو كأن بثقهم ليس بمفض الينا ، وقد بخلنا عليهم بالدعاء ، بخلنا بالعناء : عجائب فاتت التقدير ، وللّه عاقبة الأمور وإليه المصير . انتهى . قال المقرّى : ولقد صدق ابن حيان رحمه اللّه تعالى ، فان البثق سرى إليهم جميعا كما ستراه ، ولا حول ولا قوة إلا باللّه . ونقل المقّرى عن ابن حيان أيضا في هذه الفادحة ما يلي : ان بربشتر هذه تناسختها قرون المسلمين ، منذ ثلاثمائة وثلاث وستين سنة ، من عهد الفتوح الاسلامية بجزيرة الأندلس ، فرسخ فيها الايمان ، وتدورس القرآن ، إلى أن طرق الناعي بها قرطبتنا صدر رمضان من العام ، فصك الاسماع ، وأطار الأفئدة ، وزلزل أرض الأندلس قاطبة ، وصير لكل شغلا يشغل الناس في التحدث به ، والتساؤل عنه ، والتصور لحلول مثله أياما ، لم يفارقوا فيها عاداتهم من استبعاد الوجل ، والاغترار بالأمل ، والاستناد إلى أمراء الفرقة الهمل ، الذين هم منهم ما بين فشل ووكل ، يصدونهم عن سواء السبيل ، ويلبّسون عليهم